نوران العالمية

نوران العالمية

مجزوءة الوضع البشري

تقديم عام للمجزوءة

💬 "إننا لا نناقش موضوعا هيّنا، إننا نناقش: كيف يعيش الإنسان" !

— أفلاطون 🏛️
"كتاب الجمهورية" ص353

📚 المجزوءة الأولى: الوضع البشري / المفهوم الأول: الشخص

🌍 تقديم عام للمجزوءة

يرادف اصطلاح الوضع البشري من الناحية الفلسفية 🤔 مفهوم الوجود البشري 👤، الذي يحيل على مختلف المحددات الكبرى للوجود الإنساني والتي تحدده وتحدد أفعاله وسلوكاته سواء من حيث علاقته بإنيته 🪞 أو في علاقته بمختلف الأغيار الذين يتقاسم معهم الحق في الحياة الجماعية 👥 أو في علاقته بالتاريخ ⏳.

إن الوضع البشري هو الحالة التي قذف فيها بالإنسان في هذا العالم 🌐، بمعنى آخر، حينما نتعرض بالدرس للوضع البشري فنحن بصدد دراسة مختلف الشروط 📋 والأبعاد 📐 التي يوجد فيها الإنسان في هذا العالم كي نكشف على مختلف الأبعاد المكونة لهذا الوجود الإنساني.

🔍 ويمكن مقاربة مستويات هذا الوجود البشري من خلال:

1️⃣ علاقة الشخص بذاته

كأنا متفردة في العالم ✨ لها هويتها 🆔 وحريتها 🕊️ واستقلاليتها 💪 وكرامتها 👑، وهو ما تتساوى فيه مع باقي الذوات. وهو ما يفرض البحث في ماهية هذا الوجود الذي يوضع فيه شخص ما (كائن حي 🌱) في هذا العالم.

2️⃣ علاقة الشخص بباقي الأغيار

المختلفين عنه من الناحية الفيزيولوجية 🧬 والمعرفية 🧠 والثقافية 🌏... والتي تفرض عليه طبيعة الوضع البشري أن يتعايش معهم 🤝 وهو ما يؤدي بنا إلى البحث في العلاقة الممكنة بين هذا الشخص وباقي الأشخاص باعتبارهم أغيار يشبهونه ويختلفون عنه 👨‍👩‍👧‍👦.

3️⃣ علاقة الإنسان بالتاريخ

بوصفه كائن تاريخي 📜 لديه طوق دائم إلى إضفاء لمسته على أحداث ومسار التاريخ 🏛️، وباعتباره كائن حر 🦅 نتساءل عن ممكنات وحدود فعله في هذا التاريخ ⚖️. وهو ما يستدعي البحث في قيمة ومحدودية الفعل الذي يمكن للشخص أن يساهم به في حركية التاريخ والزمن ⏰. وكذلك مدى موضوعية المعرفة 📖 التي يمكن أن يحققها حول هذا التاريخ.

تقديم خاص لمفهوم الشخص

🎭 مفهوم الشخص

📖 تقديم خاص لمفهوم الشخص

غالبا ما يتم الخلط في تناول الشخص بين مفهومين متقاطعين ومتباينين في الآن نفسه 🔄: يتعلق الأمر بمفهوم الشخص ومفهوم الشخصية، فإذا كان الحقل الإبستمولوجي الذي يؤطر مفهوم الشخصية هو العلوم الإنسانية 🔬 بمقارباتها المتعددة، الأنثربولوجية، والسيكولوجية، والسوسيولوجية، فإن مفهوم الشخص تحديدا يحيل على المقاربة الفلسفية 🤔 وما تتضمنه من أطروحات مختلفة ومتنوعة.

إن التفكير في مفهوم الشخص، هو في الأصل تفكير في الإنسان 👤، وتحديدا في معنى الشرط الإنساني بما يحمله من مفارقات ⚡:

🔸 المفارقة الأولى

هي أن الشخص كائن إنساني، أي كائن ليس كباقي الكائنات الأخرى 🦁🐘. فالشرط الإنساني يعني من جهة أن الشخص لا يمكن أن ينفلت من كونه كائنا حيا 🌱، لكنه يحاول باستمرار أن يفرض البعد الآخر لشرطه الإنساني بما هو إنسان تحكمه لا الحاجات فقط، بل الرغبات والأهواء من جهة ثانية 💭❤️. فالشخص إذن تعبير عن كون الإنسان غير مكتف بذاته ولا بتكرارها، لذا فهو غير مطمئن لوجوده 😟، إذ يسعى باستمرار إلى إنكار حيوانيته، بحيث عمل ويعمل جاهدا على تأصيل بعد أخلاقي نابع ومؤدي في الآن نفسه إلى هذه الإرادة العاقلة 🧠✨.

🔸 المفارقة الثانية

هي أن المقاربة الفلسفية للشخص على اختلاف أطروحاتها، تسعى إلى التأكيد على ضرورة الحذر ⚠️ من اختزال الشخص في الإنسان وما ينتج عن ذلك من إغفال لامتدادات الهوية 🆔، والحذر أيضا من اختزاله في الانتماء الثقافي والاجتماعي 🌍 وما يستتبع ذلك من انغلاق وتمركز حول الذات، بهذا المعنى دأب الفلاسفة على مقاربة الشخص باعتباره قادرا على التفلسف والتأمل والنقد 💡، وخلق مسافة بينه وبين ذاته، بينه وبين العالم، بينه وبين عالم الناس 👥، لأنه حامل لوعي تفكيري 🧩، لكن الشخص لا يستطيع بتفكيره إدراك كل شيء ولا يستطيع بوعيه التحكم في كل شيء 🌀: إنها مفارقة الشخص الناتجة عن اللامفكر فيه واللاوعي 🌑.

هاهنا يتجلى الشخص ليس كموضوع، بل كخلق ذاتي وكتجربة معاشة 🎨، إنه يتجاوز ما يعرفه عن ذاته، وما يمكن أن نعرفه عنه. إنه خلق مستمر ونفي لما توجد عليه الذات. في كلمة، إنه رهان 🎲.

🔍 1. مفهوم الشخص/الهوية/الشخصية

من الدلالة المفهومية إلى الإشكالية الفلسفية

📚 الشخص

في القاموس المحيط 📖 تحيل دلالة الشخص على الظهور والارتفاع ⬆️ ويطلق على كل جسم/إنساني يرى من بعيد 👁️.

أما في المعجم الفلسفي لصليبا 📕 نجد أن الشخص في عرف القدماء هو الفرد، وفي كتاب النجاة لابن سيناء يطلق لفظ الشخص على الصورة الإنسانية والماهية الإنسانية التي يعتبرها طبيعة مشتركة بين جميع أشخاص النوع 👨‍👩‍👧‍👦.

والشخص عند المنطقيين هو الماهية المعروضة لتشخصنات وقد غلب إطلاقها بعد ذلك على الإنسان، أي على الموجود الذي يشعر بذاته ❤️، ويدرك أفعاله 🎯، ويسأل عنها ❓، وهو بهذا المعنى مقابل للشيء العيني الخالي من الفعل والاختيار 🚫 وقد فرق العلماء بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي:

👤 الشخص الطبيعي (Personne Physique)

هو جسم الإنسان من حيث هو مظهر لذاته الواعية 🧘، ومن حيث هو تعبير عن هذه الذات ✨.

الشخص والهوية الشخصية

🎯 المحور الاول : الشخص والهوية الشخصية

🌟 مقدمة المحور

إذا كان الشخص نتاج ثقافي 🏛️، يخترق تاريخ الإنسانية عموما وتاريخ الفلسفة على الخصوص، ولأنه كذلك فقد اعتبرت التربية 📚 العدة التي من خلالها يتجذر ويتطور مفهوم الشخص. علما أن الشخص هو تعبير ليس فقط عن انتماء للجماعة 👥، ولكن عن تفرد خاص ✨، ليس لأنه ضد الجماعة، بل لأنه يريد أن يكون متميزا داخلها.

فبقدر ما أن الشخص نتيجة للتنشئة الاجتماعية 🌱، بقدر ما يرسم مساره الفردي والنفسي الخاص 🎨. إنه يصارع لا من أجل أن يوجد فقط، بل من أجل أن يفرض ذاته وسط عالم الآخرين 💪، ومن أجل أن يتحرر من كل السلط بما فيها سلطة فكره 🧠.

فإذا كان مبدأ الهوية الشخصية 🆔 من الناحية الاصطلاحية يقتضي أن يحقق الشخص نوع من التطابق الذي قد يفضي به إلى الانغلاق على العالم 🔒 لكي يحافظ على هويته، لكن ضرورة "العيش بالمعية" 🤝 تفرض نوع من الخروج من التمركز حول الذات لمشاركة الآخرين تجاربهم والانخراط معهم في بناء العالم 🌍.

وفي هذا البناء يبني الشخص شخصيته ويكتسب هويته من تفرده عن باقي الأشخاص وشخصياتهم. فلا أحد ينكر أن الشخص يتعرض في حياته لسلسلة من التحولات 🔄 تسهم في إحداث تغيرات جذرية على مستوى جسمه، وفكره، لكن خلف ما يتعرض لتبدل وتحول هناك عنصر ما يبقى دائما هو هو، أطلق عليه اسم "الهوية" ⚡ ذلك أن ثمة عناصر لا يمكن أن يطالها التعديل وهي التي تعطي للشخص ذاتيه وخصوصيته.

❓ الإشكالية المحورية

على هذا الأساس نطرح الإشكال الآتي:

  • ما هوية الشخص؟ 🤔
  • من أين يستمد الشخص هويته؟ هل من كونه جوهرا عاقلا ومفكرا وواعيا ومستقلا وأخلاقيا وحقوقيا أم يستمدها من انتمائه الثقافي والسياسي والإثني ومن مكانته ووظيفته الاجتماعية؟
  • بعبارة أخرى: ما هو هذا الشيء الذي يظل ثابتا في الشخص والذي يستمد منه هويته مهما تغير دوره وانتمائه ووظيفته الاجتماعية؟
  • هل هوية الشخص قائمة على المطابقة والتمركز حول الذات أم هويته مستمدة من انفتاحه الدائم على العالم والآخرين؟ 🌐
  • هل يكفي القول بمعيار الفكر والوعي والشعور والقدرة على التذكر كأساس للهوية الشخصية أم أن للإرادة دور في تحديد هذه الهوية الشخصية؟ 💭

🏛️ التصورات الفلسفية

1️⃣ التصور الديكارتي : هوية الشخص كامنة في كونه جوهر مفكر 🧠

نظرا لتأثير الذي مارسته الثورة الكوبرنيكية 🌌 على فكر رونيه ديكارت، فهذا الأخير وجد نفسه في حالة من عدم اليقين والحيطة والحذر من التصورات الفلسفية الأرسطية ⚠️. لكنه رغم محاولاته لقلب تاريخ الفلسفة وإيجاد أساس متين للحقيقة لا يطاله الشك فإن هذا المسعى قاده للارتماء في أحضان الإرث الأرسطي حينما ربط ديكارت هوية الشخص بمدى مطابقته لذاته وبقدرته على التفكير والوعي في استقلالية عن العالم وعن باقي الذوات 🎯.

وبالتالي فالشخص لا يصير شخصا ولا يحافظ على ثباثه وهويته في الزمان والمكان ⏰ إلا إذا كان قادرا على استخدام فكره وعقله استخداما منهجيا وفي استقلالية عن العالم وباقي الأغيار.

فمادام الجسم ليس سوى آلة حسب ديكارت فليس بإمكانه أن يكون أساسا لهوية الشخص ❌ رغم كون هذا الجسم مرتبط بالنفس عند ديكارت والتي يعتبرها ديكارت إلى جانب الجسم جوهرين متمايزين عن بعضهما، لكن الجسم يظل عبارة شيء كباقي الأشياء الموجودة في العالم في حين هوية الإنسان وجوهره هو كونه "أنا مفكرة" 💡 وجوهرا هو النفس متميز بالتفكير والقدرة على الشك والإثبات والنفي.

"أنا أفكر، أنا موجود" - ديكارت ✍️

2️⃣ الموقف الفلسفي التجريبي : جون لوك (John Locke) 📝

👤 التعريف بصاحب النص

  • الاسم: جون لوك (John Locke)
  • الحياة: ولد سنة 1632-1704 🗓️
  • التوجه: فيلسوف تجريبي ومفكر سياسي إنجليزي 🇬🇧

📚 أهم أعماله

  • محاولة في فهم الإنسان
  • الحكومة المدنية

🔍 البنية المفاهيمية للنص

  • الشخص: كائن مفكر، عاقل قادر على التعقل والتأمل 🤔، وعلى الرجوع إلى ذاته باعتبار أنها مطابقة لنفسها.
  • الشعور: هو القدرة على الإحساس وتعقل العالم الخارجي 👁️
  • الهوية الشخصية: وتحيل حسب لوك على ما يجعل الكائن هو هو عبر الزمان والمكان ⏳، عبر الحاضر والماضي.

يتضح من خلال البنية المفاهيمية للنص أن جون لوك يربط بشكل وثيق بين هوية الشخص والقدرة على الشعور بالعالم الخارجي 🌍.

❓ إشكال النص

من أين يستمد الشخص هويته؟ هل من كونه ذاتا واعية ومفكرة ومتأملة أم من كونها ذات لديها القدرة على الإحساس والشعور بذاتها وبالعالم المحيط بها؟ 🔄

💡 الأفكار الأساسية للنص

1️⃣ ينطلق جون لوك من تعريف مفهوم الشخص بكونه ذاتا مفكرة وعاقلة ومتأملة وقادرة على تعقل العالم باستقلال عن باقي الذوات، لكن هذا الفكر المميز للشخص يظل مقترنا وممتلئا بمعطيات الشعور (القدرة على الإحساس) 💭.

2️⃣ ينتقل جون لوك ليعطي مثالا يبين من خلاله الارتباط الوثيق بين أحاسيس الشخص وبين معارفه 🔗، فلا يمكن للشخص أن يعرف حسب جون لوك إلا ما يمكنه أن يحس به.

3️⃣ ينتهي جون لوك إلى التأكيد على أن ما يكون الهوية الشخصية للشخص هو قدرته على الإحساس والشعور والتذكر 🧠 لتجاربه وإحساساته السابقة، فليس هناك جوهر مميز لهذه الذات، كل ما هناك هو قدرة الذات على الإحساس وتذكر تجاربها عبر الزمكان ⏰.

📌 الأطروحة

في كتابه "محاولة في الفهم الإنساني" 📖 تعرض جون لوك لمسألة الهوية الشخصية حيث أكد على أن ما يحدد هوية الشخص هو قدرته على الشعور والإحساس بالعالم الخارجي 🌍.

فليس هناك هوية ثابتة لدى الشخص ومعطاة بشكل قبلي ❌ بل الهوية هي ثمرة للانطباعات وأحاسيس وتجارب الذات التي لا يمكنها أن تعرف أي شيء عن نفسها بمعزل عن قدرتها على الإحساس ✨.

وبالتالي فما هو ثابت في الشخص هو تميزه بكونه قادرا على تذكر ما كان عليه في الماضي والحاضر 🕰️، إذ هذه الذات تولد صفحة بيضاء 📄 وكل ما تعرفه لاحقا هو ما خطته التجربة والشعور.

وعلى هذا الأساس فالذاكرة ليست معطى فطريا بل هي بمثابة وعاء يملئ ويشكل بتجارب الشخص 🧩 وأحاسيسه وأفكاره وتمثلاته وتصوراته، وكل ما ظل هذا الشخص قادرا على تذكر هذه التجارب والأحاسيس كلما حافظ على هويته وثباته ووحدته في الزمان والمكان.

3️⃣ تحليل نص شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) 🎭

💡 الأفكار الأساسية للنص

1️⃣ ينطلق شوبنهاور في بداية النص من نفي أن يكون الجسم هو ما يحدد هوية الشخص ❌ لأنه مجرد عرض زائل ومتغير، في حين أن هوية الشخص عند شوبنهاور مرتبطة بما هو ثابت في هذا الشخص مهما تغيرت أعراضه (الجسم/السن/الشكل/اللون...) 🔄.

2️⃣ ينتقل شوبنهاور ليحدد مميزات الهوية ويحددها بما يحافظ للشخص على ثباته، كما يوجه نقدا جذريا لفلسفات الوعي ⚠️ التي أكدت على أن هوية الشخص مرتبطة بقدرته على التفكير (الفلسفة الديكارتية) أو بقدرته على التذكر والشعور بالتجارب الماضية (الفلسفة التجريبية مع لوك) وكلها محددات معرضة للتلف والتحول 💥.

ويطرح شوبنهاور عوض ذلك مفهوم الإرادة 💪 باعتباره هو ما يحدد هوية الشخص والوجود.

3️⃣ ينتهي شوبنهاور ليوضح أن فعل المعرفة لا يمكن أن يكون هو أساس هوية الشخص ❌ لأنه مجرد وظيفة من وظائف الدماغ التي قد تصاب بالتلف، فهوية الشخص ليست قدرة على المعرفة أو الشعور والتذكر بل هي إحساس ترانسندنتالي يتعالى على التجربة والزمان المكان 🌌 يدفع بالإنسان إلى أن يرغب ويريد أو لا يريد.

📌 الأطروحة

يدافع شوبنهاور في نصه على أن أساس هوية الشخص لا يمكن أن يكون هو:

  • الجسم أو الجسد لأنه عرض متغير
  • الذاكرة أو الشعور لأنها قدرات معرضة للتلف
  • القدرة على إنتاج المعرفة

بل هوية الشخص عند شوبنهاور مستمدة من الإرادة 💪 باعتبارها ما يحدد هوية الشخص.

والإرادة عند شوبنهاور لا تعني الفعل الواعي المسترشد بالعقل، بل هي إرادة الحياة 🌱 التي تعبر عن نفسها كاندفاع أعمى لا عاقل نحو الحياة. فالإرادة عند شوبنهاور هي أن نريد وأن نرغب ومن ثم فالإرادة هي الرغبات والاندفاعات والميولات من كل نوع 🌊.

وهي تمتد فيما وراء الحياة الواعية لتشمل أيضا الحياة اللاواعية والطبيعة اللاعضوية كذلك 🌍. والإرادة عند شوبنهاور ليست فردية بل هي تتعالى على العقل الفردي لتشمل السواد الأعظم لأنها ليست مرتبطة بالضرورة بذات عاقلة وواعية، بل هي ما يتعالى على المعرفة والوعي ✨.

💬 اقتباس من شوبنهاور

في كتابه "العالم إرادة وتمثل" يقول شوبنهاور:

"فالإرادة تتجلى في قوى الطبيعة اللاعضوية كما هو الحال - على سبيل المثال - في قوة الجاذبية 🧲 التي تجذب الحديد إلى المغناطيس والأرض إلى الشمس ☀️، وتتجلى في الطبيعة العضوية في كافة درجاتها بدءا من النبات 🌿 حتى الإنسان 👤 الذي تقترن فيه الإرادة بالمعرفة والوعي، غير أن هذا لا يعني أن الإرادة في حالة الإنسان تصبح عاقلة، لأن عقل السواد الأعظم من الناس يكون تابعا لإرادته وفي خدمتها، فنحن لا نريد شيئا لأننا وجدنا أسبابا له، وإنما نجد أسبابا له لأننا نريده 💭، وبوجه عام لم يتمكن أحد أن يقنع أحدا بالمنطق، أو بالعقل أو بالتصورات المجردة، فلكي يقنعه يجب أن يخاطب إرادته" ✍️

ولا يستطيع التخلص من قهرية الإرادة حسب شوبنهاور إلا:

  • 🎨 الفنان المبدع الذي يتحرر من الإرادة وقتيا أثناء رؤيته الإبداعية التي تصبح معرفة خالصة نزيهة ومتحررة من عبودية الإرادة
  • 🕊️ الزاهد القديس الذي يتحرر من عبودية الإرادة بشكل دائم من خلال وأد رغباته

🌊 الإرادة كجوهر الحياة

إن الإرادة عند شوبنهاور تعبر عن نفسها بوصفها اندفاع أعمى لا عاقل نحو الحياة 💥، من خلال كفاح أبدي وصراع لا يهدأ من أجل حفظ حياة الفرد وبقاء النوع 🌱. وهو كفاح وصراع لا يتوقف إلا بالموت ☠️.

ولكن الموت لا ينهي معاناة وشقاء الإنسان (أو البشر) لأنه ينهي فحسب الإرادة كما تتجلى في الفرد 👤 ولكن الإرادة تواصل وجودها في النوع البشري 👥.

ومن هنا فوحدها الإرادة ما يشكل هوية الشخص سواء كان فردا أو جماعة ⚡.

المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة

💎 المحور الثاني : قيمة الشخص

🌍 تقديم عام للمحور

إن المتأمل لهذا العالم يلاحظ بأنه يمكننا أن نستخدم جميع الأشياء في هذا العالم 🌱🐘، انطلاقا من النبات إلى الحيوان دون أن يصدر عن هذه الأخيرة أي رد فعل خاص بها مادامت عبارة عن أشياء أو موجودات تتقبل طبيعتها بشكل تلقائي.

لكن على خلاف ذلك فالكائن الحي ينفي ويرفض أن يوظف مثل باقي الأشياء في الطبيعة ❌، لذلك نجده يطالب بضرورة احترامه وتقديره 🙏.

إن هذا المطلب الذي يرفعه الكائن الحي ضد باقي الأغيار والذي يوحي بأن هذا الكائن حامل لقيمة ما ✨ تجعله يرفض أن يعامل مثل موجودات الطبيعة كما يقول هيغل في كتابه "الاستطيقا" 📖 هو ما أعطى المشروعية للفلاسفة لكي يسائلوا الأساس الذي يبني عليه الكائن الحي هذا المطلب الذي يلخص في ندائه الدائم:

"احترموني فلست شيء أو بضاعة" 💬

❓ الإشكالية المحورية

من أين يستمد الشخص قيمته؟ 🤔

  • هل انطلاقا من كونه شخصا مالكا للوعي والفكر والحرية والأخلاق والحقوق 🧠⚖️ أي باعتباره غاية في ذاته؟
  • أم من كونه وسيلة يمكن توظيفها لأجل غايات أسمى منه؟ (مثلا ما تقتضيه مصلحة الدولة في علاقتها بالجندي) 🎖️

🏛️ التصورات الفلسفية

1️⃣ تصور إمانويل كانط: الشخص غاية في ذاته 👑

📌 الأفكار الأساسية للنص

1. رفض النظرة البيولوجية ❌🐾
يرفض إمانويل كانط النظر للإنسان من الزاوية البيولوجية الصرفة لأننا بهذه النظرة نكون قد حططنا من قيمته وجعلناه شبيها بالحيوان.

2. نقد النظرة المعرفية ⚠️🧠
ينتقل إمانويل كانط ليبين لنا جوانب القصور في التصور الذي يقيم الإنسان من خلال امتلاكه لملكة الفهم (القدرة على إنتاج المعرفة وتنظيم معطيات الحساسية/التجربة). ويرفض كانط أن ننظر للإنسان باعتباره ذاتا عارفة لأن هذا التصور سيجعل من الإنسان بضاعة 💰 ويضرب في العمق مبدأ المساواة بين الناس ⚖️.

3. الشخص كذات أخلاقية ✨💎
يبين كانط أن ما يسمو بقيمة الإنسان عن الأشياء هو النظر إليه باعتباره شخصا أي ذاتا أخلاقية حاملة لعقل عملي/أخلاقي 🧘، ومالكا لكرامة تجعل منه غاية في ذاته وليس وسيلة يمكن استخدمها من طرف أي ذات حسب رغباتها ومصالحها.

🎯 تصور إمانويل كانط: الشخص غاية في ذاته

يوجه إيمانويل كانط في كتابه "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" 📕 للتصورات الأخلاقية العرفية القائمة على العادة والعرف لأنها تحدد قيمة الإنسان من الزاوية البيولوجية الصرفة 🐾، وهو ما يحط من قيمته ويجعله شبيها بالحيوان.

كما يوجه نقدا للتصورات المعرفية التي تنظر لقيمة الإنسان انطلاقا من كونه مالكا لملكة الفهم 🧠، أي ذاتا عارفة قادرة على إنتاج المعرفة وتنظيم معطيات التجربة، لأن تقدير الإنسان واحترامه فقط لكونه قادرا على إنتاج المعرفة سيجعلنا نخل بمبدأ المساواة في النظر للإنسان وهو ما سيجعل منه سلعة قابلة للتقويم بسعر من الأسعار 💵.

ولم يقف إمانويل كانط عند هذا الحد، بل وجه نقدا لاذعا للتصورات النفعية ⚠️ التي تنظر للإنسان من زاوية المنفعة والمصلحة التي يمكن أن يقدمها للذات.

ويطرح لنا كانط تصورا بديلا يمكنه أن يسموا بالإنسان على الأشياء والحيوانات 🌟، فحين ننظر للإنسان باعتباره شخصا أي حاملا لعقل أخلاقي/عملي يمكنه حينها وفقط أن يستمد قيمته انطلاقا من كونه غاية في ذاته 🎯 وليس وسيلة قابلة للاستخدام من طرف أي ذات حسب مصالحها ورغباتها.

فالنظرة للإنسان باعتباره شخصا، تجعلنا نقدره ونحترمه باعتباره حاملا لكرامة غير قابلة للتقييم بسعر 👑، وأي حط أو اعتداء على كرامة الإنسان هو اعتداء على الإنسانية جمعاء.

💬 اقتباس من كانط

يؤكد كانط في كتابه "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق" 📖:

"عندما نعتبره شخصا، أي كذات لعقل أخلاقي عملي، سنجده يتجاوز كل سعر 💎. وبالفعل لا يمكن أن نقدره بوصفه كذلك أي بوصفه شيئا في ذاته كوسيلة لتحقيق غايات الآخرين أو وسيلة لتحقيق غاياته الخاصة، بل يمكن تقديره كغاية في ذاته 🎯. وهذا يعني أنه يمتلك كرامة 👑، وبامتلاكه لهذه القيمة يرغم كل الكائنات العاقلة الأخرى على احترام ذاته"

🔍 البنية الحجاجية للنص

انسجاما مع روح الخطاب الفلسفي باعتباره خطابا حجاجيا أسس إمانويل كانط لأطروحته بالانطلاق في بداية النص من عرضه للتصور العرفي الذي ينظر للإنسان من الزاوية البيولوجية الصرفة ويتمثل ذلك في قوله:

"يعتبر الإنسان داخل نظام الطبيعة كظاهرة من ظواهر الطبيعة وكحيوان عاقل - كائنا غير ذي أهمية قصوى"

فإمانويل كانط من خلال توظيفه لأسلوب العرض 📝 في بداية النص يهدف إلى توضيح حدود التصور العرفي الذي يحصر الإنسان داخل الزاوية البيولوجية وهو ما يحط من قيمته.

لكن إمانويل كانط لا يكتفي بالعرض بل يوظف الاستدراك 🔄 الذي يتغيى من خلاله عرض وجهة النظر المعرفية التي تقيّم الإنسان باعتباره ذاتا عارفة وهو ما يجعله شبيها بالسلعة المعروضة في السوق 🏪 ويبدو ذلك واضحا في قول كانط:

"لكن إضافة إلى امتلاكه ملكة الفهم الشيء الذي جعله يسمو على جميع الكائنات الأخرى، وقادرا على تحديد غايات لنفسه لا يكسب بذلك إلا قيمة خارجية نفعية"

وبعد عرضه لكل هذه التصورات يستنتج كانط ✅ أن السمو بالإنسان باعتباره غاية في ذاته وليس وسيلة رهين بالنظر إليه باعتباره شخصا، حاملا للإنسانية في شخصه وهو ما يبدو واضحا في قوله:

"وهكذا تكون الإنسانية التي تكمن في شخصه موضوع احترام يمكنه أن يلزم به كل الآخرين" 🌟

2️⃣ تصور جورج غوسدروف: الشخص يستمد قيمته من المشاركة والتضامن 🤝

ينطلق غوسدروف في تصوره لقيمة الشخص من إعادة النظر في جميع التصورات الفلسفية والسياسية للقرن الثامن عشر 📜 وخاصة التصورات الليبرالية التي ركزت على إعطاء قيمة للفرد على حساب الجماعة 👥.

هذه النزعة الفردية 🚫 التي كان تقديسها يخفي أبعادا إيديولوجية غايتها الدفع بالفرد لكي يتحرر من كل التزام أخلاقي تجاه المجتمع، مفكرا فقط في مصالحه وأهدافه الشخصية 💰.

وعوض ذلك يؤكد غوسدروف على أن ما يميز الشخص الأخلاقي هو القدرة على الوعي بوهم الفردانية 💡 الذي تسعى الأنظمة الليبرالية تكريسها والاتجاه نحو الاندماج والمشاركة مع الآخرين 🤝 في بناء عالم يسوده التضامن بين جميع أفراده 🌍.

وعلى هذا الأساس تصبح قيمة الشخص مرتبطة بقدرته على التعبير الفعلي والعملي في الواقع ✊ عن تضامنه ومآزرته والتزامه تجاه الآخرين أخلاقيا وسياسيا من أجل تحرير العالم من الأوهام التي ترغب الرأسمالية في تكريسها عن طريق مختلف وسائلها الإيديولوجية.

💭 مقارنة غوسدروف

وفي هذا الصدد يقارن بين:

🔸 الفرد الوهمي:
الفرد الذي يعيش أوهاما باعتقاده "أنه إمبراطور داخل إمبراطورية" 👑، فيضع نفسه في مقابل العالم وفي تعارض مع الآخرين، بحيث يتصور نفسه كبداية مطلقة.

🔹 الشخص الأخلاقي :
وعلى العكس من ذلك يدرك الشخص الأخلاقي أنه "لا يوجد إلا بالمشاركة" 🤝✨

إن الشعور الأخلاقي يفرض حسب غوسدروف، الإيمان بأن العالم ليس فضاء للذات وحدها 🌍، وإنما هو فضاء لتلاقي ذوات كثيرة تتعاون جميعها من أجل الوصول إلى غاية واحدة، وهي خدمة القيم الإنسانية النبيلة 💎 والكف في مقابل ذلك عن كل فكر أناني ومتوحش 🚫.

3️⃣ يورغن هابرماس: الشخص يستمد قيمته من قدرته على التبرير العقلاني لأفعاله 🗣️⚖️

يدافع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في كتابه "أخلاقيات المناقشة" 💬 على أن قيمة الشخص/الفاعل لا يستمدها في عالم ما بعد الدولة-الأمة من انتمائه الجغرافي أو السياسي أو الديني أو العرقي ❌ أو من مكانته الاجتماعية، بل من قدرته على تبرير أفعاله الأخلاقية والسياسية والاقتصادية تبريرا عقلانيا 🧠 لباقي الذوات التي يتقاسم معها الفضاء العمومي 🏛️.

إن هابرماس ينطلق من نقده الشديد للشخص الأخلاقي المستقل ⚠️ الذي يشرع لأفعاله الأخلاقية بمعزل عن باقي الذوات كما هو الأمر في التصور الكانطي، فالأخلاق غير كافية للنظر إلى الشخص باعتباره قيمة بل لابد أن يستمد الشخص قيمته من خلال القوانين التي يجب أن تقوم عليها دولة الحق والقانون ⚖️.

فالقانون هو الوسيط الوحيد الذي يجب أن يستمد الشخص منه قيمته في عالمنا اليوم 🌐. ومن قدرته على استخدام عقله استخداما نقديا 🧩 في جميع المجالات العمومية دون أي تأثير من طرف السلطة.

4️⃣ كارل ماركس: الشخص مجرد وهم برجوازي ولا قيمة له في النظام الرأسمالي 🏭⚙️

ينظر كارل ماركس لقيمة الشخص من منظور طبقي محض 📊، فالشخص عند كارل ماركس هو عبارة عن وهم برجوازي ولا يحمل أية قيمة في ذاته كما تصوره الفلاسفة ❌ بل يستمد قيمته في هذا النظام انطلاقا مما ينتجه 🔧، لكن رغم ذلك يعاني من أبشع أساليب الاستغلال 😔 مادامت وسائل الإنتاج في يد الطبقة الرأسمالية 💰.

ولكي تكون للأفراد قيمة لابد من تحررهم عن طريق الوعي الحقيقي 💡 لجميع البروليتاريين بموقعهم الطبقي من وسائل الإنتاج، وبالتالي فالثورة هي الطريق الوحيد للقضاء ✊ عن ما يعوق تحرر الأفراد وبروز شخصياتهم.

وبالقضاء على النظام الرأسمالي وبناء المجتمع الشيوعي 🚩 سيصبح للفرد قيمة يستمدها من وجوده الواقعي في موقع يجعل منه مالكا لوسائل الإنتاج ⚙️✨.

المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية

📋 تمهيد منهجي

لمعالجة المحور الثالث من درس الشخص، الموسوم بـ«الشخص بين الضرورة والحرية»، ينبغي الوقوف عند أربع نقط أساسية:

  • التعرف على المفاهيم المركزية المؤطِّرة لهذا المحور.
  • تحديد المفارقة التي يثيرها مفهوم الشخص في هذا المحور.
  • صياغة الإشكال الناتج عن هذه المفارقة.
  • عرض المواقف الفلسفية التي تعالج هذا الإشكال.

🔑 أولًا: المفاهيم المركزية

1) مفهوم الشخص
الشخص فلسفيًا هو الذات الواعية العاقلة، القادرة على تحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية. كما يمكن القول إن مفهوم الشخص مشتق من الأصل اللاتيني «بيرسونا» (Persona)، ويعني القناع الذي يرتديه الممثل المسرحي ليوافق شكله الدورَ الموكول إليه.
2) مفهوم الضرورة
الضرورة هي الطرف النقيض لمفهوم الحرية، وهي تشير إلى أن كل ما في الكون، بما في ذلك الإنسان، لا بد أن يكون كما هو، ولا يخرج عن طبيعته.
الجبرية: وهو مفهوم يحيل على ما هو ديني.
الحتمية: وهو مفهوم يحيل على ما هو علمي.
3) مفهوم الحرية
الحرية، في دلالتها العامة، تشير إلى قدرة الشخص على الفعل أو الامتناع عنه، بعيدًا عن أي إكراه، كيفما كان مصدره.
هذه هي المفاهيم المركزية الأساسية المؤطِّرة للمحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية.

⚖️ ثانيًا: المفارقة

يمكن بسط هذه المفارقة كما يلي:

من جهة
يمكن اعتبار أن الشخص كائن حر حرية مطلقة.
VS
من جهة مقابلة
يمكن القول إن الشخص كائن مضطر، خاضع لمجموعة من الضرورات.

ومن هنا نرى أن مفهوم الشخص يثير قضية ذات طرفين متناقضين: جانب يرى أن الشخص حر حرية مطلقة، وجانب آخر يرى أن الشخص مضطر وخاضع للضرورة.

ثالثًا: الإشكال

انطلاقًا من المفارقة السابقة، يمكن صياغة إشكال هذا المحور على النحو الآتي:
هل الشخص ذات حرة؟ وإن كان كذلك، فهل هو حر حرية مطلقة، أم حرية نسبية؟ أم أنه، من جهة أخرى، كائن خاضع لمجموعة من الحتميات والضرورات؟

🧠 رابعًا: المواقف الفلسفية

سنختار لمعالجة هذا الإشكال ثلاثة مواقف فلسفية من القرن العشرين: موقف التحليل النفسي (سيغموند فرويد)، موقف الفلسفة الوجودية (جون بول سارتر)، وموقف الفلسفة الظاهراتية (موريس ميرلو-بونتي).

1) سيغموند فرويد: الحتمية النفسية اللاشعورية 🎭

يؤكد فرويد، مكتشف التحليل النفسي، أهمية العوامل النفسية اللاشعورية، فيجعل الشخص خاضعًا للحتمية. ومعنى ذلك أن للشخص جانبًا واعيًا، وجانبًا آخر لا واعيًا (العوامل النفسية اللاشعورية). يفسر فرويد ذلك من خلال نظريته حول الجهاز النفسي:

  • الهو: يمثل النزعة الغريزية الفطرية.
  • الأنا الأعلى: يمثل الضمير الأخلاقي وسلطة المجتمع والقانون.
  • الأنا (الشخص): يحاول الموازنة بين الهو والأنا الأعلى.

وهذا ما يجعل الشخص في ضغط مستمر من أجل الموازنة بين هذين الجانبين المتصارعين، وتنتهي محاولته غالبًا بالفشل.

النتيجة: الشخص يعيش صراعًا نفسيًا مستمرًا، ويخضع لحتمية بيولوجية (الهو) وحتمية نفسية لاشعورية، وبالتالي ليس حرًا.
2) جون بول سارتر: الحرية المطلقة وصنع الذات 🦅

ينطلق سارتر من أن "الوجود يسبق الماهية"؛ أي إننا نوجد أولًا ثم نصنع هويتنا. يرفض الحتميات لأن الشخص مشروع يصنع نفسه بنفسه عن طريق اختياراته الحرة.

فالشخص حرية مطلقة، وهو الوحيد الذي يقرر ما يريد أن يصنع بنفسه. لكنه مسؤول؛ وحريته تنتهي عند بداية حرية الآخرين.

النتيجة: الشخص حرية مطلقة، وهو الوحيد الذي يقرر ما يريد أن يكون، لكنه مسؤول عن اختياراته.
3) موريس ميرلو-بونتي: حرية مشروطة ونسبية 🤝

ينتقد ميرلو-بونتي الحتمية المطلقة والحرية المطلقة معًا. يؤكد أن الشخص خاضع لإكراهات (بيولوجية، اجتماعية...) لكنه يملك حرية "نسبية" لتعديل هذه الحتميات.

فكوننا خاضعين لإكراهات لا يعني أننا سنستسلم لها، بل سنحاول التكيف معها لنجد سبيلاً لحرية نسبية.

النتيجة: لا نستسلم للحتميات ولا ننكرها، بل نحاول التكيف معها. الحرية ليست معطى مطلقًا بل ممارسة نسبية داخل الشروط.

🏁 خاتمة

نخلص في الأخير إلى أن حرية الشخص لا تتحقق بقدرته على تجاوز المحددات والإكراهات الذاتية السيكولوجية والسوسيولوجية التي تواجهه فقط، بل إن محاولة التجاوز نفسها مشروطة بالسعي إلى التحرر ضمن الشروط.

ومن ثم يبقى الشخص كائنًا يتنقل بين الضرورة والحرية: فلا يمكن القول إنه حر حرية مطلقة، كما لا يمكن القول إنه خاضع خضوعًا كليًا لمجموعة من الضرورات؛ بل هو يتأرجح بين الضرورة والحرية.

مفهوم الغير

الغير موضوع رئيسي ومركزي ضمن مواضيع الوضع البشري. فعندما جئنا ندرس الوضع البشري في الفلسفة، خصوصًا المعاصرة، وجدنا أن الشخص لا يمكن الحديث عنه في غنى عن الغير. فالغير، الذي هو الآخر الذي يشبهني ويختلف عني، حضوره مهم جدًا وقوي ومؤثر في الأنا.

📖 تعريف الغير (أندريه لالاند)

"الغير هو آخر الأنا، منظورًا إليه ليس بوصفه موضوعًا، بل بوصفه أنا آخر."

تفسير "أنا آخر": عندما أتأمل أشياء العالم (سيارات، منازل، أشجار...)، أجد أن لها وجودًا جامدًا لا يؤثر فيَّ، بل أنا من يؤثر فيها ويتحكم فيها. يمكنني تحريك حجر، لكن لا يمكنني التعامل مع "الغير" كشيء جامد لأنه "ذات أخرى".

جان بول سارتر: نفي الأنا

يقول سارتر: "الغير هو الآخر الذي ليس أنا، أو الأنا الذي ليس أنا."

الغير هو الكائن الوحيد الذي وجوده ليس كالأشياء. مشاكلنا، سعادتنا، تواصلنا، ومعرفتنا تأتي كلها من الغير.

🤔 إشكالية الغير (إدموند هوسرل)

يقول إدموند هوسرل: "إنني أدرك الآخرين باعتبارهم موجودين واقعيًا داخل سلسلة من التجارب المتباينة والمتطابقة في نفس الوقت."

الغير كموضوع (شيء)

أدركهم كمواضيع وأشياء طبيعية في العالم (لهم جسد، مظهر، طول، لون...)، تمامًا كما أدرك الكراسي والأشياء المادية.

الغير كذات (أنا آخر)

في نفس الوقت، أدركهم كذوات تدرك العالم، لها تجربة خاصة، أحاسيس، وأفكار، وليست مجرد أشياء جامدة.

💡 مثال توضيحي: الغرفة المظلمة

تخيل أنك في غرفة مليئة بالأشياء (كراسي، طاولات...) وتتحرك فيها بحرية. فجأة، تلمح وجهًا وعينين تنظران إليك.

  • مع الأشياء (كراسي): تتصرف بعفوية، لا تسأل "من هذا الكرسي؟".
  • مع الغير (الشخص): تتوقف، ربما تخجل أو ترتبك، وتسأل "من هذا؟".

وجود الغير يستوقفك ليس كشيء، بل كذات تحكم عليك وتراك، مما يغير سلوكك.

الخلاصة: الطبيعة المزدوجة

الغير هو شيء وفي نفس الوقت ذات. لا هو "أنا" خالص (فكر وإحساس فقط)، ولا هو "شيء" خالص (مثل الكرسي). هذه الازدواجية هي جوهر إشكال مفهوم الغير.

📑 تقسيم المحاور الثلاثة

إذن هنا تكمن الصعوبة، وهذه الصعوبة سنقسمها إلى ثلاثة محاور رئيسية سنعالجها تباعًا:

1
المحور الأول: وجود الغير

يطرح سؤال: ما طبيعة وجود الغير؟ هل وجود الغير مؤثر فيَّ أم غير مؤثر؟ هل هو وجود مهم أم وجود تافه؟

2
المحور الثاني: معرفة الغير

يطرح سؤال: هل يمكن معرفة الغير؟ هذا الوجود المهم، هل من الممكن أن نعرفه حقًا أم لا؟

3
المحور الثالث: العلاقة مع الغير

يطرح سؤال: ما أساس علاقة الأنا بالغير؟ كيف نؤسس لعلاقة (صداقة، غرابة، صراع...) مع هذا الآخر؟

نلتقي في هذه الحلقة لمعالجة الدرس الثاني من مجزوءة الوضع البشري، ألا وهو درس الغير. لمعالجة هذا الدرس، علينا الوقوف على قضاياه الثلاث أو محاوره الثلاث. وفي هذه الحصة، سنعالج المحور الأول.

نقاط المحور الأول: وجود الغير

لمعالجة هذا المحور، علينا الوقوف على أربع نقاط أساسية:

  • المفاهيم المركزية المُعْتَمَدَة لهذا المحور.
  • ما هي المفارقة التي يثيرها هذا المحور؟
  • ما هو الإشكال الذي يطرحه هذا المحور أيضًا؟
  • ما هي المواقف الفلسفية التي ستجيبنا عن هذا الإشكال؟

🔑 أولًا: المفاهيم المركزية

المفهوم المركزي في هذه القضية، وهي قضية وجود الغير، وهو مفهوم الغير. وهنا يجب أن نميِّز بين مفهوم الغير ومفهوم الآخر.

الآخر

حينما نقول "الآخر"، فإنه يمكن أن يكون أي شيء غير الإنسان: حيوان، جماد، أو أي شيء آخر يمكننا أن نعْنِتَهُ بأنه آخر، أي شيء آخر غير الإنسان.

الغير

حينما نريد أن نتحدث عن الغير بمعنى الغير، الآخر من الناس، نستعمل مفهوم "الغير" بمعناه، وليس "الآخر". الآخر (الغير) يعني أننا نقصد الإنسان البشر.

تعريف الغير

إذن، ما معنى الغير؟ الغير هو أنا الذي ليس أنا، المشابه والمخالف لي. إنه بعبارة أخرى: أنا آخر مثلي، يشبهني ويختلف عني. من خلال هذا التعريف، نرى أن الغير ليس إلا شخصًا أيضًا، ولكنه آخر، فهو ليس أنا.

قلنا: الغير هو الأنا الذي ليس أنا، بمعنى أنه أنا بالنسبة لي، ولكنه ليس أناي أنا، بل أنا هو. إذن هو مثلي، لماذا؟ لأنه شخص أيضًا.

الغير كشخص آخر (التشابه والاختلاف)

إذن، كل ما عالجناه في درس الشخص، يمكننا كذلك أن نعتبر أن الغير هو شخص آخر. وما يميِّز الشخص يميِّزني: هويتي، قيمتي، وحريتي. كذلك تميِّزُ هويته الخاصة التي تختلف عن باقي الهويات؛ له كذلك قيمته الخاصة بحسب المصدر؛ له كذلك هامش من الحرية الخاصة.

  • يشبهني: في الخصائص العامة للوضع البشري، فهو بشر مثلي.
  • يختلف عني: في التفاصيل. فأساس هويتي ليس هو أساس هويته؛ طريقة تفكيري ليست هي طريقة تفكيره. إذن، هناك اختلافات جزئية على مستوى التفاصيل.

⚖️ ثانيًا: المفارقة

إذن، هو أنا يشبهني ويختلف عني؛ إنه بعبارة أخرى أنا آخر مثلي. مفارقة هذا المحور يمكننا عرضها على الشكل التالي:

الطرف الأول

هناك من يرى أن وجود الغير ضروري إغناء لوجود الأنا.

أنا كشخص لا يمكنني أن أعْيَ ذاتي وأعْيَ عالمَ من حولي إلا بوجود ذلك الآخر معي في هذا العالم.

VS
الطرف الثاني

هناك من يرى أن وجود الغير غير ضروري، بل وتهديد لوجود الأنا.

لأنه يهدِّدُ وجودي. فحينما يوجد معي الآخر، سيؤثِّرُ سلبًا عليَّ، حيث أنني لن أستطيع الاستقلال بشخصيتي، وسوف يؤثِّرُ على قراراتي، وسوف يضايق حريتي.

إذن، نحن هنا أمام مفارقة أساسية، لأن هناك فريقًا يرى وجود الغير ضروريًا، وفريق آخر يرى أن وجود الغير غير ضروري، ولكل منهما حجَّتُه.

ثالثًا: الإشكال

لذلك، سننتقل إلى الخطوة الثالثة، وهي الإشكال الذي يتمخَّضُ عن هذه المفارقة. فكل مفارقة تلدُ لنا إشكالًا من رحمِها. وهذا الإشكال هو التالي:

هل وجود الغير ضروري أو احتمالي؟
وإن كان ضروريًا، فهل يشكِّلُ إغناءً للذاتِ أم إفقارًا لها؟

إذن، الإشكال يسأل عن: هل فعلًا وجود الغير ضروري أم غير ضروري بالنسبة لوجود الأنا؟

🧠 رابعًا: المواقف الفلسفية

للإجابة عن هذا الإشكال، وجب الوقوف على المواقف الفلسفية. سنختار منها: رينيه ديكارت (القرن 17)، مارتن هايدغر (القرن 20)، وهيغل (القرن 19).

1) موقف رينيه ديكارت

الفيلسوف العقلاني (القرن 17)
🤔

لنا الفيلسوفُ العقلانيُّ رينيه ديكارتُ جوابَهُ الأول، حيث يؤكِّدُ أنَّ كلَّ ما يمكن إثباتُ وجودِهِ هو وجودُ الذاتِ عن طريقِ التَّفْكيرِ.

"أنا أشُكُّ، أنا أَفْكِرُ، إذنْ أنا موجودٌ."

وَإِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْيَ ذَاتِي وَأَعْيَ العَالَمَ مِنْ حَوْلِي، فَمَا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ أَعْتَمِدَ عَلَى شَكِّي وَعَلَى فِكْرِي.

مِنْ هُنَا يَتَّبِعُ لَنَا دِيكَارْتُ لا يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ بَلْ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ وَاحْتِمَالِيٍّ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ كُلَّ مَا أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ بِهِ فِي هَذَا الْعَالَمِ سَوْفَ أَعْتَمِدُ فِيهِ عَلَى نَفْسِي، عَلَى شَكِّي وَعَلَى فِكْرِي، وَلَيْسَ عَلَى الْآخَرِينَ.

إِذْنْ أَنَا أَشُكُّ، أَنَا أَفْكِرُ، وَأَنَا مَوْجُودٌ أَخِيرًا، وَحْدِي، وَلَسْتُ مَوْجُودًا مَعَ الْآخَرِينَ أَوْ لِلْآخَرِينَ.

2) موقف مارتن هايدغر

الفيلسوف المعاصر (القرن 20)
👥

إِذْنَ كَانَ ديكارت يَذْهَبُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، فَهُوَ احْتِمَالِيٌّ، فَإِنَّ مَارْتِنْ هَايْدِغَرَ يَذْهَبُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ رِنِيهْ دِيكَارْتُ لَكِنْ بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ.

حَيْثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ وُجُودَ الذَّاتِ فِي الْعَالَمِ هو وُجُودٌ مَعَ الْغَيْرِ بالضرورة. إِذْنَ لاَ يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ أَنَّنَا سَنَعِيشُ أَوْ نَعِيشُ وَحْدَنَا، بِالضَّرُورَةِ نَحْنُ نَعِيشُ مَعَ الْآخَرِينَ.

لكن أين المشكلة؟

وُجُودُ هَذَا الْغَيْرِ يُعْتَبَرُ تَهْدِيدًا يُفْقِرُ ذَوَاتَنَا وَيُفَرِّغُهَا مِنْ كَيْنُونَةٍ وَيُفْقِدُنَا حُرِّيَتَنَا وَيَطْمُسُ اخْتِلَافَنَا.

تأثير الغير الاجتماعي (هيمنة الـ "هُم")

وَهُوَ مَا يَظْهَرُ فِي طَبِيعَةِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تَذِيبُ وُجُودَ الْفَرْدِ فِي وُجُودِ الْجَمَاعَةِ. مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّنَا حِينَمَا نُوجَدُ مَعَ الْغَيْرِ فَذَلِكَ يَعْنِي أَنَّ اخْتِلَافَنَا سَوْفَ يَطْمَسُ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّنَا سَنُؤَثِّرُ عَلَى بَعْضِنَا الْبَعْضِ، فَالشَّخْصُ وَالْغَيْرُ كَائِنٌ يُؤَثِّرُ وَيَتَأَثَّرُ.

حِينَمَا سَنُؤَثِّرُ فِي بَعْضِنَا سَوْفَ يَطْمَسُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ، سَوْفَ نَصْبَحُ مُتَشَابِهِينَ، سَوْفَ يَصْبَحُ لَدَيْنَا مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْقَوَانِينِ الْعَامَّةِ الَّتِي نَتْبَعُهَا، مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْعَادَاتِ، مَجْمُوعَةٌ مِنَ التَّقَالِيدِ... والخصوصيات التي كانت تميز كل شخص منا سوف تختفي.

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْغَيْرَ يَتَدَخَّلُ فِي حَيَاتِنَا وَيَهْدِدُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ وَوُجُودَنَا، وَسَنَصْبَحُ نُشْبِهُ بَعْضَنَا وَلَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَيُّ تَفَرُّدٍ أَوْ هُوِيَّةٍ عَنِ الْآخَرَى، بَلْ يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ أَنَّنَا هُنَا سَنَصْبَحُ فِي هُوِيَّةٍ جَمَاعِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ نُشْبِهُ بَعْضَنَا الْبَعْضِ.

لِذَلِكَ يَرْفُضُ مَارْتِنْ هَايْدِغَرُ وُجُودَ الْغَيْرِ.

3) موقف فريدريش هيغل

الفيلسوف الألماني (القرن 19)
🦅

إِذْنَ كَانَ كُلٌّ مِنْ رِنِيهْ دِيكَارْتَ وَمَارْتِنْ هَايْدِغَرَ يَرْفُضُ وَجُودَ الْغَيْرِ وَيَرَيَانِ أَنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ، فَإِنَّ الْفَيْلَسُوفَ الْأَلْمَانِيَّ هِيْغَلَ يَرَى أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ.

حَيْثُ يَنْتَقِدُ مَوْقِفَ دِيكَارْتَ الَّذِي يَقْصِي وَجُودَ الْغَيْرِ، بِاعْتِبَارِهِ مَوْقِفًا نَظْرِيًّا، بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْقِفٌ صُورِيٌّ عَلَى مُسْتَوَى الْعَقْلِ صَحِيْحٌ، لَكِنْ فِي الْوَاقِعِ لاَ يُمْكِنُنَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.

ذَلِكَ أَنَّ مَا تَحْتَاجُهُ الذَّاتُ هُوَ إِثْبَاتُ وُجُودِهَا عَلَى الْمُسْتَوَى الْوَاقِعِيِّ مِنْ خِلَالِ صِرَاعٍ تَأْخُذُهُ مَعَ الْغَيْرِ، حَيْثُ يُخَاطِرُ كُلٌّ مِنَ الْذَّاتِ وَالْغَيْرِ بِحَيَاتِهِمَا حَدَّ الْمَوْتِ، حَتَّى يَسْتَسْلِمَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ فَيَكُونَ الْمَنْهَزِمُ عَبْدًا وَيَعْتَرِفُ بِالْمُنْتَصِرِ كَسَيِّدٍ، وَهَذَا مَا تَكْشِفُ عَنْهُ جَدْلِيَّةُ الْعَبْدِ وَالسَّيِّدِ.

جدلية هيغل: الصراع من أجل الاعتراف

مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ عِنْدَ فْرِيدْرِيْخْ هِيْغَلَ أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ، لِمَاذَا؟ لِلصِّرَاعِ مَعَهُ. كَيْفَ؟ لَيْسَ صِرَاعًا فِيزْيَائِيًّا بَلْ صِرَاعًا فِكْرِيًّا ذِهْنِيًّا، حَتَّى يَهْزِمَنِي أَوْ أَهْزِمَهُ. فَمَاذَا نَسْتَفِيدُ؟ سَوْفَ نَسْتَفِيدُ أَنَّ الْمَنْهَزِمَ يَصِيرُ عَبْدًا وَالْمُنْتَصِرُ سَيِّدًا.

وَمَاذَا سَنَسْتَفِيدُ مِنْ هَذَا الْصِرَاعِ؟ وَلِمَاذَا قَالَ حَدَّ الْمَوْتِ؟ إِذْنَ هَذَا الْصِرَاعُ لَنْ يَنْتَهِيَ يَوْمًا، سَيَبْقَى إِلَى نِهَايَةِ الْبَسِيطَةِ. فَكُلَّمَا كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ مَعَ شَخْصٍ آخَرَ كَانَ هُنَاكَ صِرَاعٌ خَفِيٌّ عَلَى الْمُسْتَوَى الْفِكْرِيِّ وَالذِّهْنِيِّ.

فائدة الصراع والمنافسة الشريفة

مَا الَّذِي سَيُفِيدُنَا إِيَّاهُ ذَلِكَ الْصِرَاعُ؟ سَيَجْعَلُنَا فِي تَنَافُسٍ مُسْتَمِرٍّ، سَيَجْعَلُنَا دَائِمًا نُرِيدُ أَنْ نُحْسِنَ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَأَنْ لاَ نَكُونَ عَبْدًا مَرَّةً أُخْرَى، وَكُلُّنَا يُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ. هَذَا مَا يُشْعِلُ وَيُؤَجِّجُ نَارَ الْمُنَافَسَةِ وَالْصِرَاعِ، لِكَيْ نَكُونَ أَفْضَلَ نُسْخَةٍ عَنْ أَنْفُسِنَا.

لِذَلِكَ فَوْجُودُ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ، لَكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَيْسَ لِيَكُونَ صَدِيقِي بَلْ لِيَكُونَ خَصْمِي. لَنْ يَكُونَ خَصْمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ عَدُوٌّ، لاَ. خَصْمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ مِنْ خِلَالِهِ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَحَدَّى نَفْسِي وَأَنْ أَتَحَدَّى جَمِيعَ الصُّعُوبَاتِ، وَأَنْ أَتَّجِهَ إِلَى أَهْدَافٍ وَأَنْ أُثْبِتَ نَفْسِي كَيْ أَكُونَ سَيِّدًا.

المنافسة الشريفة

فَإِنْ كُنَّا نَتْنَافَسُ مَعَ بَعْضِنَا الْبَعْضِ مُنَافَسَةً شَرِيفَةً سَوْفَ نَصِلُ إِلَى أَهْدَافِنَا وَسَوْفَ نُسَاعِدُ بَعْضَنَا الْبَعْضَ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ. فَأَنْتَ تَتْنَافَسُ وَأَنَا أَتْنَافَسُ مَعَكَ، أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَهْزِمَنِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَهْزِمَكَ، ذَلِكَ سَيَجْعَلُكَ أَقْوَى وَيَجْعَلُنِي أَقْوَى، يَجْعَلُكَ تُطَوِّرُ مِنْ قُدْرَاتِكَ وَأَنَا أَيْضًا.

لِذَلِكَ فَوْجُودُ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ لِوْجُودِ الْذَّاتِ كَيْ تَتَطَوَّرَ مِنْ ذَاتِهَا وَكَيْ تُطَوِّرَ مِنْ ذَاتِهَا وَكَيْ تَكُونَ نُسْخَةً أَفْضَلَ عَنْ ذَاتِهَا دَائِمًا وَأَبَدًا.

🏁 الخاتمة / استنتاج

أَخِيرًا، نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ الْمَوَاقِفَ قَدْ تَضَارَبَتْ حَوْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَهَذَا مَا سَبَقْ وَأَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْمُفَارَقَةِ، فَهُنَاكَ مَنْ رَأَى أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ وَهُنَاكَ مَنْ رَأَى أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ.

أَخِيرًا، يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ أَنَّ وُجُودَ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ لِوْجُودِ الْذَّاتِ، لَكِنْ ذَلِكَ لاَ يَعْنِي أَنَّهُ سَوْفَ يَتَعَدَّى حُدُودَهُ وَسَوْفَ يَخْتَرِقُ هُوِيَّتَنَا وَسَوْفَ يَطْمُسُ اخْتِلَافَنَا، بَلْ يَجِبُ أَنْ نَكُونَ مُعْتَدِلِينَ.

فَوْجُودُ الْغَيْرِ ضَرُورِيٌّ لَكِنْ فِي حُدُودِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ.
إِلَى هُنَا أَقُولُ لَكُمْ: دَمْتُمْ فِي رِعَايَةِ اللهِ، تَحِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ مُتَوَاصِلَةٌ لَكُمْ.
📚

المحور الثاني: معرفة الغير

نلتقي في هذه الحلقة من أجل معالجة المحور الثاني من مفهوم الغير تحت مسمى "معرفة الغير". لمعالجة أي محور، علينا الوقوف على المفاهيم المركزية أولاً، ثم بعد ذلك ما هي المفارقة التي يطرحها هذا المحور؟ ثالثًا، أن نتطرَّق إلى الإشكال، ورابعًا نتطرَّق إلى المواقف الفلسفية التي أجابت عن هذا الإشكال.

أخيرًا، نخرج بخلاصة عامَّة تركيبيَّة لهذا المحور.

🔑 أولًا: المفاهيم المركزية

مفهوم الغير

هو أنا آخر يشبهني في كونه ذاتًا واعية مثلي، وفي نفس الوقت يختلف عني.

مفهوم المعرفة

هي النشاط العقلي الذي تتمتَّعُ من خلاله الذَّاتُ العَارِفَةُ موضوعًا ما.

مفهوم التواصل

هو الفعل الذي عَبْرَهُ يَخْرُجُ كُلُّ وَعْيٍ مِنْ ذَاتِهِ إِلَى الْآخَرِ.

مفهوم البين-ذاتية

علاقة تفاعل بين ذاتَيْنِ باعتبارهما وعْيَيْنِ يُوجَدَانِ داخل مجال إدراكٍ مشتركٍ ومتَّسَاوٍ، يَجْعَلُ كُلَّ ذَاتٍ هِيَ غَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْآخَرَى.

⚖️ ثانيًا: المفارقة

الطرف الأول

معرفة الغير بَيْنَ ذَاتِيَّةً ممكنة كذات

أي معرفة ممكنة بين ذاتٍ وذاتٍ أخرى.

VS
الطرف الثاني

معرفة الغير السطحية ممكنة كموضوع

كما يمكننا القول أنها مستحيلة في بعض الأحيان.

ثالثًا: الإشكال

هل معرفة الغير ممكنة أم مستحيلة؟
وإذا كانت ممكنة، فهل تتمُّ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ إِلَيْهِ كَذَاتٍ أَمْ كَمَوْضُوعٍ؟

هل يمكننا أنْ نَعْرِفَ الْغَيْرَ كَمَا نَعْرِفُ أَنْفُسَنَا؟ أَمْ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْرِفَهُ أَبَدًا؟
وَإِنِ اسْتَطَعْنَا أَنْ نَعْرِفَ ذَلِكَ الْآخَرَ، فَهَلْ تَلْكَ الْمَعْرِفَةُ تَكُونُ طَرِيقَ اعْتِبَارِهِ ذَاتِيًّا مِثْلَ ذَاتِي، أَمْ أَنَّهُ يَبْقَى مُجَرَّدَ مَوْضُوعٍ خَارِجِيٍّ عَنِّي؟

🧠 رابعًا: المواقف الفلسفية

1) موقف جون بول سارتر

الفيلسوف الفرنسي الوجودي (القرن 20)
👁️

يُبَيِّنُ سَارْتْرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْغَيْرِ يُمْكِنُ أَنْ تَنْكَشِفَ كَمَوْضُوعٍ أَمَامَ الذَّاتِ.

معنى ذلك أنَّنِي يُمْكِنُنِي أَنْ أَعْرِفَهُ كَأَنَّهُ شَيْءٌ أَوْ مَوْضُوعٌ وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِهِ ذَاتًا.

النظرة والتشييء

لَكِنَّ الْغَيْرَ لَيْسَ مَوْضُوعًا، لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الذَّاتِ عَنْ طَرِيقِ النَّظْرَةِ. فَحِينَمَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْآخَرُ فَإِنِّي بِنَظَرَاتِهِ وَأَشْعُرُ بِوُجُودِي مَعَ تِلْكَ النَّظَرَاتِ.
لماذا؟ لِأَنَّهَا تَحُدُّ مِنْ حُرِّيَتِي وَتُضَايِقُنِي.

وَهُوَ مَا يُعَبِّرُ عَنْهُ فِي مِثَالِ النَّظْرَةِ وَكَذَلِكَ مِثَالِ ظَاهِرَةِ الْخَجْلِ. فَالذَّاتُ تَخْجَلُ مِنْ نَفْسِهَا كَيْفَ يَرَاهَا الْآخَرُ؟ وَمِنْهُ تَشْعُرُ بِمَحْدُودِيَّةِ حُرِّيَتِهَا وَتَشْيِئِهَا.

لِذَلِكَ تَبْقَى مَعْرِفَةُ الْغَيْرِ مُمْكِنَةً كَمَوْضُوعٍ خَارِجِيٍّ فَقَطْ.

2) موقف جاستون بيرجي

الفيلسوف الفرنسي (القرن 20)
🧱

يُؤَكِّدُ بَيْرْجِي عَلَى اسْتِحْالَةِ مَعْرِفَةِ الْغَيْرِ.

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ جِدَارًا سَمِيكًا وَحَاجِزًا مَنِيعًا يَصْعُبُ تَجَاوُزُهُ. وَهَذَا الْحَاجِزُ هُوَ جِدَارُ التَّجْرِبَةِ الذَّاتِيَّةِ.

مثال الألم

وَيُقَدِّمُ بَيْرْجِي مِثَالَ الْأَلَمِ الَّذِي يَكْشِفُ عَنِ الْانْفِصَالِ التَّامِّ بَيْنَ عَالَمِ الذَّاتِ وَعَالَمِ الْغَيْرِ. فَحِينَمَا أَتَأَلَّمُ أَشْعُرُ بِالْأَلَمِ وَحْدِي، وَلَنْ يَشْعُرَ بِذَلِكَ الْأَلَمِ شَخْصٌ آخَرُ مِثْلِي، لِأَنِّي أَنَا لَسْتُ هُوَ وَهُوَ لَيْسَ أَنَا.

3) موقف موريس ميرلو بونتي

الفيلسوف المعاصر (القرن 20)
🗣️

يَنْتَقِدُ كُلَّ تِلْكَ التَّصَوُّرَاتِ الَّتِي تَعْتَبِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْغَيْرِ مَعْرِفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ أَوْ أَنَّهَا تَتِمُّ كَمَوْضُوعٍ.

مِنْ هُنَا فَمَعْرِفَةُ الْغَيْرِ كَذَاتٍ تُشْبِهُنِي وَتَحْمِلُ نَفْسَ خَصَائِصِي مُمْكِنَةٌ. وَهُوَ مَا يَتِمُّ عَبْرَ التَّوَاصُلِ وَالْحِوَارِ.

فَكُلَّمَا مِنَ التَّوَاصُلِ وَالْحِوَارِ أَزَلْنَا تِلْكَ النَّظْرَةَ التَّشْيِيْئِيَّةَ وَاعْتَبَرْنَا أَنْفُسَنَا كَذَوَاتٍ مُتَسَاوِيَاتٍ وَتَبَادَلْنَا نَظْرَةً إِنْسَانِيَّةً.

فَمَا دَامَ الْإِنْسَانُ يَمْتَلِكُ اللُّغَةَ فَالْغَيْرُ يَتَصَرَّفُ كَمَا أَحِسْ وَأَتَصَرَّفُ فِي ظُرُوفٍ مُمَاثِلَةٍ. لِذَلِكَ فَعَنْ طَرِيقِ التَّوَاصُلِ أَسْتَطِيعُ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ الْغَيْرِ مَعْرِفَةً كَذَاتٍ مِثْلِي.

🏁 خلاصة تركيبية

أَخِيرًا، نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ الْمَوَاقِفَ قَدْ تَضَارَبَتْ حَوْلَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، بَيْنَ مَنْ يَرَاهَا مُمْكِنَةً وَمَنْ يَرَاهَا مُسْتَحِيلَةً.

يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْغَيْرِ مُمْكِنَةٌ شَرِيطَةَ تَجَاوُزِ النَّظْرَةِ التَّشْيِيْئِيَّةِ وَتَأْسِيسِ عِلاقَةِ تَوَاصُلٍ وَحِوَارٍ بَيْنَ الذَّوَاتِ.

🌟 الخلاصة العامَّة

نَخْلُصُ بِنِهَايَةِ هَذَا الْمَحْوَرِ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْغَيْرِ تَظَلُّ إِشْكَالًا فَلْسَفِيًّا مَفْتُوحًا يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ تَصَوُّرَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ بِشَأْنِ إِمْكَانِيَّةِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ أَوْ عَدَمِ إِمْكَانِيَّتِهَا.

فَمَعْرِفَةُ الْغَيْرِ عَبْرَ التَّوَاصُلِ الْإِنْسَانِيِّ مَعَهُ وَتَجَاوُزُ ذَلِكَ إِلَى التَّعَاطُفِ الْوِجْدَانِيِّ مَعَهُ إِلَى حَدِّ الْمُمَاثَلَةِ أَوِ التَّوَحُّدِ بِهِ حِسِّيًّا كَمَا أَكَّدَ فِي إِطَارِ عَالَمِ الْبَيْنَ ذَاتِيَّةِ تَكُونُ مُمْكِنَةً.

أَمَّا إِذَا تَمَّ التَّرْكِيزُ قَطْعًا عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُمَاثَلَةِ قَصْدَ تَعْمِيمِ الْمَعْرِفَةِ بِالذَّاتِ، مَعْرِفَةُ الْغَيْرِ أَوْ تَحْوِيلِهِ إِلَى مَوْضُوعٍ أَوْ شَيْءٍ أَوْ خَلْقِ عُزْلَةٍ وَانْغِلاقِيَّةٍ ذَاتِيَّةٍ لَا يَسْتَطِيعُ إِدْرَاكَهَا فَإِنَّ تِلْكَ الْمَعْرِفَةَ تَصْبِحُ غَيْرَ مُمْكِنَةٍ.

لِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ نُشَجِّعَ بَعْضَنَا الْبَعْضَ عَلَى الِانْفِتَاحِ وَالْحِوَارِ وَالتَّوَاصُلِ وَنَبْذِ جَمِيعِ أَشْكَالِ الْعُنْفِ كَيْفَمَا كَانَتْ نَظْرَةً أَوْ سُلُوْكًا أَوْ إِيمَاءَةً، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ انْفِتَاحِنَا الْإِيْجَابِيِّ عَلَى الْآخَرِ وَمَعْرِفَتِهِ كَذَاتٍ مِثْلَ الَّتِي تَعْيَ تَفْهَمُ وَتَحِسُّ أَيْضًا.

إِلَى هُنَا أَقُولُ لَكُمْ: تَحِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ مُتَوَاصِلَةٌ لَكُمْ جَمِيعًا، أَلْقَاكُمْ بِخَيْرٍ فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ.